بعد 6 أشهر على استشهاده... القليعة تكرّم الخوري بيار الراعي
Fady Mahouly
21:43 · 05 أيلول 2026
قراءة 6 د
نظّمت رعية مار جرجس القليعة ورعية مار يوحنا المعمدان – سردا، لمناسبة مرور ستة أشهر على استشهاد الخوري بيار الراعي، وتكريمًا لمسيرته الرعوية والإنسانية وتضحياته في خدمة أبناء القليعة والمنطقة، بالتعاون مع بلدية القليعة، يومًا وفائيًا استُهلّ بقداس وجناز لراحة نفسه في كنيسة مار جرجس القليعة.
وترأس القداس رئيس أساقفة أبرشية صور المارونية المطران شربل عبدالله ممثلًا البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، بحضور المونسنيور جاكوب ممثلًا السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا، الذي اعتذر عن عدم الحضور بسبب السفر، رئيس بلدية القليعة حنا ضاهر، رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، خادم الرعية الخوري أنطونيوس عيد ونائب خادم الرعية الأب غسان نصر، ولفيف من الكهنة والراهبات.
كما حضر النواب نجاة صليبا، ملحم خلف وفراس حمدان، النائب السابق أنطوان زهرا ممثلًا رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع، قائد القطاع الشرقي في اليونيفيل الجنرال الإسباني أنطونيو مارتينيز، قائد اللواء السابع في الجيش اللبناني العميد طوني فارس، نقيب المحامين في بيروت عماد مرتينوس، إلى جانب رؤساء بلديات ومخاتير وفاعليات سياسية وحزبية وعسكرية واجتماعية، وأهل الشهيد وحشد من أبناء القليعة.
عبدالله
وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى المطران عبدالله عظة استذكر فيها مزايا الشهيد الخوري بيار الراعي، مشيدًا بتفانيه وتضحياته في سبيل أبناء القليعة والمنطقة، ومؤكدًا أن "رسالته ستبقى حاضرة في وجدان المؤمنين".
وتلا المطران عبدالله كلمة باسم البطريرك الراعي، أكد فيها أن "استشهاد الأب بيار لم يكن خسارة أو ضعفًا، بل شهادة إيمان وانتصار بمنطق المسيح، مستشهدًا بحبة الحنطة التي تموت في الأرض لتُثمر حياة".
وتوقف عند مزايا الأب بيار، واصفًا إياه ب"الكاهن الشجاع والصريح، المحب للحق والمخلص لخدمته ورعيته"، معتبرًا أن "استشهاده حوّله إلى شاهد حي للمسيح، وأن شهادته ستبقى راسخة في ذاكرة القليعة والكنيسة".
وأكد أن "دمه لم يذهب سدى، بل أصبح بذارًا للمسيحية ومصدر قوة ونمو وإيمان ورجاء"، مشددًا على أن "أبناء القليعة يفتخرون باستشهاده وبالصليب الذي حمله حتى النهاية".
وختم بالتأكيد أن "الأب بيار ترك وراءه شهادة حب حقيقية، لأنه بذل نفسه من أجل أحبائه، وأن ذكراه ستبقى حية في الكنيسة وفي قلوب أهله وأبناء رعيته".
عيد
بعدها ألقى خادم الرعية الأب أنطونيوس عيد كلمة وجدانية، أكد فيها أن "أبناء القليعة يقفون بعد ستة أشهر أمام مذبح الرب حاملين الألم، لكن أيضًا الإيمان والرجاء، لأن الحياة أقوى من الموت، ولأن محبة الله لا يطفئها الوجع ولا تهزمها الحروب".
وقال: "إن الخوري بيار كان الكاهن والخادم الذي أحب رعيته وأهله، وحمل الناس في قلبه وصلاته، وعاش كهنوته أمانة وبذلًا ومحبة".
ووجه إليه رسالة وفاء قائلاً: "نشكرُك، أبونا بيار، على كل كلمة طيبة قلتها، وعلى كل مبادرة ساندت بها أيدينا، وعلى كل صلاة رفعتها لأجلنا، وعلى تقديمك الخدمة لكل من عرفك، وعلى كل مرة جئت بالدعم والعزاء للقلوب الموجوعة والحائرة، وعلى كل بذرة خير زرعتها في هذه الأرض".
وأضاف: "فليثمر زرعك ولتبقى كلماتك مدوية في أذهاننا، لنستمر معلنين أننا على كلمتك: باقون، باقون، باقون".
ووجّه الأب عيد الشكر إلى كل من وقف إلى جانب عائلة الشهيد والرعية وأبناء القليعة خلال الأشهر الستة الماضية، من إكليروس وعلمانيين وعسكريين ومدنيين وفاعليات سياسية واجتماعية وخيرية وتربوية وإعلاميين ووسائل إعلام، كما خص بالشكر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، وأبناء البلدات المجاورة.
كما شكر المطران شربل عبدالله، والأساقفة والكهنة والراهبات من مختلف الكنائس، والسفارة البابوية، ناقلًا التقدير لقداسة البابا لاوون الرابع عشر على قربه وصلاته.
وختم بالصلاة من أجل راحة نفس الشهيد، ومن أجل أهل القليعة ولبنان، داعيًا إلى "وقف الحرب وإحلال السلام الشامل والعادل والدائم".
السفير البابوي
ومن جهته، ألقى المونسنيور جاكوب كلمة السفير البابوي. وانطلق من قول السيد المسيح: "ليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبائه"، معتبرًا أن "النظرة المسيحية إلى الموت لا تقوم على منطق الخسارة، بل على منطق البذل والعطاء".
وقال: "إن الأب بيار لم يخسر حياته، بل بذلها من أجل أحبائه"، مستذكرًا أنه، ومن دون أن يعرف من أصيب خلال القصف، انطلق ليسارع إلى النجدة وتقديم المساعدة.
وأشار إلى أن "الأب بيار جعل من حياته عطية لمن كان يعتبرهم، بإيمانه، أحباءه"، معتبرًا أن "موته جسّد المعنى المسيحي الحقيقي للبذل، وأصبح مثالًا لكل إنسان بأن الموت ليس خسارة للحياة، بل بذل للحياة من أجل الأحياء".
ونقل باسم السفير البابوي تحياته الحارة إلى أبناء القليعة، مؤكدًا صلاته وقربه منهم ودعمه الأبوي وبركته.
وفي ختام القداس، جرت مراسم رش المياه المباركة على لوحة تذكارية للشهيد الأب الراعي، رسمها ابن الرعية خوان كارلوس سمعان.
وفي قاعة الكنيسة، عُرض نشيد "باقون هنا باقون"، المستوحى من كلمات وشخصية الخوري الراعي، في محطة استحضرت العبارة التي تحولت إلى عنوان للثبات والتجذر في القليعة.
كلمة رئيس الجمهورية
كما تليت كلمة باسم المدير العام للمراسم والعلاقات العامة في القصر الجمهوري الدكتور نبيل شديد، ألقاها النائب ملحم خلف، نقل فيها تعزية رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ومواساته لعائلة الشهيد ورعية مار جرجس وأبناء القليعة، سائلًا الله أن "يتغمد الشهيد برحمته وينعم عليه بالحياة الأبدية، وأن يمنح عائلته وأبناء بلدته القوة والصبر".
ضاهر
وألقى رئيس بلدية القليعة كلمة مؤثرة أكد فيها أن "ستة أشهر لم تكن كافية لاعتياد غياب الخوري بيار، لأن بعض الأشخاص حين يرحلون يتركون فراغًا، أما بعضهم فيتركون وراءهم حضورًا أكبر من الغياب".
وأشار إلى أن "الأب بيار اختار البقاء إلى جانب أبناء القليعة في أصعب الأيام، حين كان الرحيل أسهل والخوف أكبر من الكلام، لأنه كان يؤمن بأن الكاهن لا يترك شعبه، وأن الأرض التي أعطته حياته تستحق أن يبقى إلى جانب أهلها".
وأكد أن "إطلاق اسم الخوري بيار الراعي على أحد شوارع القليعة ليس مجرد تسمية، بل هو ذاكرة ووفاء وعهد للأجيال المقبلة"، لافتًا إلى أن "أطفال القليعة سيسألون يومًا: "من هو الخوري بيار؟"، وسيكون الجواب: "كان واحدًا منا، كاهننا وأبانا وأخانا وصديقنا، رجل إيمان ومحبة، وقبل كل شيء شهيد القليعة".
وشدد ضاهر على أن "أجمل وفاء للأب بيار هو الحفاظ على ما آمن به: القليعة وأهلها وإيمانها وأرضها وجذورها، والبقاء متمسكين بها مهما اشتدت الصعوبات".
وخاطب عائلة الشهيد قائلًا: "إن ابنهم لم يرحل وحده، بل ترك وراءه عائلة كبيرة اسمها القليعة، وترك اسمًا سيبقى حاضرًا في قلب البلدة وذاكرتها".
وختم مؤكدًا أن "الخوري بيار أصبح جزءًا من تاريخ القليعة، وأن البلدة التي أحبها وخدمها لن تنساه أبدًا".
عائلة الشهيد
وألقت ابنة عم الشهيد ألوندرا الراعي كلمة باسم عائلة الخوري بيار، عبّرت فيها عن مشاعر العائلة وامتنانها لكل من وقف إلى جانبها، واستحضرَت مسيرة الشهيد وذكراه ومكانته في قلوب أهله وأبناء بلدته.
بعد الكلمات، عُرض فيلم وثائقي تناول محطات من حياة الشهيد الخوري الراعي ومسيرته الكهنوتية والإنسانية، مستعيدًا صورًا وذكريات من حياته وخدمته لأبناء رعيته والمنطقة.
واختُتم اليوم الوفائي بإزاحة الستارة عن شارع حمل اسم "شارع الشهيد الخوري بيار الراعي"، في خطوة رمزية تؤكد أن اسمه سيبقى حاضرًا في جغرافيا القليعة وذاكرتها.
كما جرى تكريس مزار مار بطرس، لتُختتم المناسبة بمحطة روحية ووطنية حملت رسالة واحدة: أن الخوري بيار الراعي رحل بالجسد، لكنه بقي حاضرًا في الكنيسة، وفي أرض القليعة، وفي قلوب أهلها، وفي الكلمة التي تركها إرثًا لأبنائها: "باقون، باقون، باقون".